العيني
45
عمدة القاري
البخاري ، فيحتمل أن يقال : في كل من رواية الباب والرواية الأخرى اختصار ، أو يقال : ذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على الأمة ، وبالعكس ، إلاَّ ما يستثنى من خصائصه . قوله : ( فارجع إلى ربك ) ، أي : الموضع الذي ناجيت ربك أولاً . قوله : ( فراجعت ) ، هذا رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : ( فراجعني ) ، والمعنى واحد . قوله : ( فوضع شطرها ) ، وفي رواية مالك بن صعصعة ؛ ( فوضع عني عشراً ) ، ومثله لشريك ، وفي رواية ثابت : ( فحط عني خمساً ) . وقال الكرماني : الشطر : النصف ، ففي المراجعة الأولى وُضع خمس وعشرون ، وفي الثانية ثلاثة عشر ، يعني بتكميل المتكرر ، إذ لا معنى لوضع بعض صلاة ، وفي الثالثة : سبعة . قلت : هذا كلام لا يتجه ، وهو يخالف ظاهر عبارة حديث الباب ، لأن المراجعة المذكورة فيه ثلاثة مرات ، ولم يحصل الوضع إلاَّ في المرتين الأوليين ، وفي المرة الثالثة ، قال : ( هن خمس وهن خمسون ) ، فلم يحصل الوضع ههنا ، ويلزم من كلامه أن تكون المراجعة أربع مرات . في الأولى الشطر ، وفي الثانية ثلاثة عشر ، وفي الثالثة سبعة ، وفي الرابعة قال : ( هن خمس وهن خمسون ) ، وليس الأمر كذلك . قال ابن المنير : ذكر الشطر أعم من كونه وضع دفعة واحدة ، وقال بعضهم : قلت : وكذا العشر في دفعتين ، والشطر في خمس دفعات . انتهى . قلت : على هذا يكون سبع دفعات ، في المراجعة الأولى دفعتان وهما عشرون كل دفعة عشرة ، وفي الثانية تكون خمسه دفعات كل دفعة خمس فتصير خمسة وعشرين ، ولكن هل كل دفعة في مراجعة فتصير سبع مراجعات ؟ أو دفعتان في المراجعة الأولى وخمس دفعات في الثانية ؟ فلكل منهما وجه بالاحتمال ، ولكن ظواهر الروايات لا تساعد شيئاً من ذلك إلاَّ بالتأويل ، وهو أن يكون المراد من الشطر البعض ، وقد جاء في كلام العرب ذلك ، وقد جاء بمعنى الجهة أيضاً كما في قوله تعالى : * ( فولوا وجوهكم شطره ) * ( البقرة : 441 ) أي : جهته ، فإذا كان كذلك فيكون المراد من الشطر في المراجعة الأولى العشر مرتين ، وفي الثانية الخمس خمس مرات ، فتكون الجملة خمساً وأربعين . إلى أن قال : ( هن خمس ) ، يعني خمس صلوات في العمل ، ( وهي خمسون ) في الثواب ، لأن لكل حسنة عشر أمثالها ، كما في النص . وكان الفرض في الأول خمسين ثم إن ا تعالى رحم عباده وجعله بخمس تخفيفاً لنا ورحمة علينا ، ثم هل هذا نسخ أم لا ؟ يأتي الكلام فيه عن قريب إن شاء ا تعالى . فإن قلت : إذا كان الفرض أولاً هو الخمسين ، كيف جاز وقوع التردد والمراجعة بين النبي وبين موسى كليم ا عليه الصلاة والسلام ؟ قلت : كانا يعرفان أن الأول غير واجب قطعاً ، ولو كان واجباً قطعاً لما كان يقبل التخفيف ، ولا كان النبيان العظيمان يفعلان ذلك . قوله : ( هي خمس وهن خمسون ) ، وفي رواية : ( هن خمس وهي خمسون ) ، يعني خمس من جهة العدد في الفعل ، وخمسون باعتبار الثواب ، كما ذكرناه الآن . قوله : ( لا يبدل القول لدي ) أي : قال تعالى : لا يبدل القول لدي . قوله : ( ارجع إلى ربك ) ، ويروى : ( راجع ربك ) . قوله : ( قلت ) ويروى ( فقلت ) . قوله : ( استحييت من ربي ) وجه استحيائه من ربه أنه لو سأل الرفع بعد الخمس لكان كأنه قد سأل رفع الخمس بعينها ، فلذلك استحيي من أن يراجع بعد ذلك ، ولا سيما سمع من ربه : لا يبدل القول لدي بعد قوله : ( هن خمس وهن خمسون ) وقال بعضهم : يحتمل أن يكون سبب الاستحياء أن العشرة آخر جمع القلة ، وأول جمع الكثرة ، فخشي أن يدخل في الإلحاح في السؤال . قلت : هذا ليس بجواب في رواية هذا الباب ، وأما في رواية مالك بن صعصعة وشريك ( فوضع عني عشراً ) ففيه إلحاح ، لأن السؤال قد تكرر ، وكيف ، والإلحاح في الطلب من ا تعالى مطلوب ؟ . قوله : ( إلى السدرة المنتهى ) السدر : شجر النبق ، واحدته : سدرة ، وجمعها سدر وسدور ، الأخيرة نادرة . وقال أبو حنيفة عن أبي زياد : السدر ، من العضاه ، وهو لونان ، فمنه عبري ومنه ضال ، فأما العبري فما لا شوك فيه إلاَّ ما لا يضير ، وأما الضال فهو ذو شوك ، وللسدر ورقة عريضة مدورة ، وربما كانت السدرة محل الإقلال ، وورق الضال صغار . قال وأجود نبق يعلم بأرض العرب نبق بهجر في بقعة واحدة تحمى للسلطان ، وهو أشد نبق يعلم حلاوة ، وأطيبه رائحة ، يفوح فم آكله وثياب لابسه كما يفوح العطر . وفي ( نوادر ) الهجري : السدر يطبخ ويصبغ به ، وفي كتاب النووي : تجمع السدر على ؛ سدرات ، بإسكان الدال ، ويقال بفتحها ، ويقال بكسرها مع كسر السين فيها . قوله : ( المنتهى ) يعني المنتهى فوق السماء السابعة ، وقال الخليل : في السابعة قد أظلت السماوات والجنة ، وفي رواية : ( هو في السماء السادسة ) والأول أكثر ، ويحمل على تقدير الصحة أن يكون أصلها في السادسة ومعظمها في السابعة ، وزعم عياض أن أصلها في الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها . انتهى ، وليس هذا بلازم ، بل معناه : أن الأنهار تخرج من أصلها ثم تسير حيث أراد ا تعالى